السبت، 28 نوفمبر، 2015

مقارنة مبكرة بين حرب النجوم .. وماما نجوى وبقلظ



إنها الإجازة الأسبوعية ولا أمل في بعض الهدوء في مكتبي، سيدخلون إلي أو سيطلبون مني أن تخرج إليهم.. والهدوء مناخ مثالي يساعدني على الكتابة، ولأنني لابد أن أكتب اليوم عن أي شيء.. أيا كان.. حتى وإن كانت ذكرياتي...... ذكرياتي؟ أعتقد أنه لا مانع في ذلك.. لنتحدث عن السينما! أول علاقتي بالسينما كان فيلما حرص أبي على أن أشاهده لتوسعة أفقي في سن مبكرة، فاصطحبني معه لفيلم حرب النجوم وأنا في سن 5 سنوات تقريبا!

ورغم أنني كاتب محترف إلا أنه من الصعب أن أصف تأثير هذا الحدث علي بالكامل! كان ذهابي إلى سينما مترو بوسط القاهرة تجربة مثيرة بكل تفاصيلها العديدة. وكي لا أطيل عليكم السرد، بعد أن حصلنا على التذاكر، دخلت مبنى فخما، مفروشا بسجاد أحمر تغوص فيه قدماي، وسلالم صعودا وهبوطا، وأشخاص يرتدون أزياء رسمية، وبعد البقشيش سمعت "شرفت يا بيه" و"أهلا يا باشا"، وأرشدنا أحدهم باحترام إلى مقاعدنا. في الحقيقة، كان الجو مختلفا تماما عن المنزل، أحسست بالهيبة والفخامة والغموض والإثارة، وأنني شخص مهم بالتبعية لأبي، كان وجها مختلفا للحياة لم أعرفه من قبل!
كان حجم الشاشة ضخما بالفعل وأستفسرت من أبي عن فائدته؟ فقال لي ليشاهد كل هذا العدد من الناس الفيلم.. إنك ستشاهد الأشياء بأحجام كبيرة جدا! فأجبته لكن حجم هذه الشاشة كبيرة جدا على عيني؟ ضحك أبي وقال سترى لا تخف.. إلا أنني سرعان ما شعرت بالخوف قليلا من إطفاء أنوار القاعة، فمع عدد المشاهدين الكبير جدا خشيت أن أتعرض أنا أو أبي لمكروه، إلا أنني لم أهتز ثقة في وجود أبي بجانبي.. وسألته "لماذا يطفؤون الأنوار؟" فأجابني "لكي نستطيع مشاهدة الفيلم" فلم أعلق.
وما أن بدأت الصور تتحرك على الشاشة العملاقة ذات الصوت المهول.. حتى ارتفع معدل الأدرينالين في جسمي وتسارعت نبضات قلبي، ومع حالة الإثارة تلك أصبحت كل النيورونات العصبية في حالة انتباه خرافي تفاعلا مع أراه أمامي. وبعد انتهاء الإعلانات وبمجرد أن بدأ الفيلم حتى ..... وهنا يعجز الكلام عن وصف مشاعري، لأن ما شاهدته كان خارج كل إطار معرفي بالنسبة لي! فقد كان بعيدا كل البعد عن خيالي، وحتى عما حكي لي من عالم الخيال في ألف ليلة وليلة.. كانت هناك كائنات أخرى، وتحالف بين سكان المجرات البعيدة جدا، سيوف من نور (ليزر) تقطع ولا تسيل الدماء، سفن تسير في الفضاء بوقود لا ينفذ، الانتقال بسرعة الضوء، الطاقة الداخلية والتخاطر وتحريك الأشياء من بعد، عربات تطير فوق سطح الأرض، الإنسان الآلي، حروب بين الخير والشر للسيطرة على الكون... إلخ. 
صراحة إن كان هناك أب في العالم كان لديه من الصبر والإجابات السريعة الدقيقة على ما لا أفهمه في الفيلم فهو أبي، رغم أنه كان يشاهد الفيلم للمرة الأولى، فتمكنت من متابعة وفهم ما يدور. وظلت حالة الإثارة مستمرة طوال مدة عرض الفيلم الذي لم أرغب في أن ينتهي. وبمجرد أن انتهى حتى سكت مذهولا. وخرجت مع أبي من السينما وأنا منعزل تماما عن العالم أفكر فيما شاهدت، مصابا بالدهشة المفرطة من حجم الخيال في هذا الفيلم. وعندما سألني أبي عن رأيي في الفيلم قلت له إن الفيلم فيه خيال واسع حقا.. من أين جاؤوا بهذه الأفكار؟ ثم صمت مرة أخرى وأنا لأ أعرف ما الذي يجب أن أفعله بعد كل ما شاهدت؟
ثم سألني مرة أخرى بماذا تشعر؟ صراحة.. مصر كلها في هذه اللحظة كانت صغيرة جدا. وقلت له أنا "زعلان".. أصيب أبي بالدهشة وسألني لماذا؟ قلت له لماذا لسنا مثلهم؟ لماذا مصر ليست مثل أمريكا؟ لماذا ليست لدينا أفلام مثل هذه؟ ما هذا الذي تقدمه ماما نجوى وبقلظ؟ هل يمكن أن نكون متقدمين مثلهم؟ وأمطرته بوابل من الأسئلة. وبطبيعة الحال، أقنعتني بعض الإجابات والبعض الآخر كنت أعرف أنها بدافع أنه يحب مصر، كما علمني أن أحبها مثله تماما.
ولأنني طفل، فقد خاصمت ماما نجوى وبقلظ والتلفزيون المصري نحو 3 أشهر متواصلة. وأصبحت أرى كل ما يعرض عليه هراء حتى هذه اللحظة.. حتى إن كان جيدا في المحتوى فهو سيء في العرض أو التقديم. تخيل معي أنني أشاهد العرض المسرحي الأول لمسرحية عم أيوب على شاشة التلفاز.. بماذا أشعر وهذا هو الفن المصري؟
وهكذا شجعني أبي على المعرفة والخيال، فأصبحت اقرأ له أعمدة الجرائد يوميا في سن السابعة، وفي الثامنة قرأت اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. وبعدها بعام بدأت في قراءة مختصرات روائع الأدب العالمي للشباب، وأحببت منها جدا رواية الأمير والحقير، ثم ألغاز الشباب في العاشرة، وفي الثانية عشرة بدأت في العبقريات لمحمود عباس العقاد. وهكذا انفصلت عن التعليم الحكومي تماما، الذي كنت أراه عذابا يكفر سيئاتي. وبالفعل كان هذا اليوم فاصلا مهما في تاريخ حياتي.. كلما تذكرته تتقد في روح الاستكشاف والمغامرة بلا حدود، مع الإيمان بأنه لا يوجد مستحيل، إلا إن كانت هناك مسائل قدرية أقواها هو الموت.     

مصطفى علي درويش