السبت، 24 أكتوبر، 2015

أقدم سائق تاكسي في الإمارات: جئت خالي اليدين وسأرحل خالي اليدين

توقف السائق بمهارة أمامي تماما، دلفت مع إلقاء السلام وأخبرته بوجهتي. وما هي إلا لحظات، حتى نظرت إليه جيدا بسبب انطلاقته السلسة. ولأنني لا أحب تغيير مساري اليومي، فقد وجهته في منتصف الطريق بأن ينعطف يسارا، فقال لي "لم؟ من الأفضل أن نسير في خط مستقيم ثم ننعطف في اليسار التالي، ومن هناك نقرر". ثم أضاف بثقة "انا سائق محترف، في المرة القادمة أسلك هذا الطريق، وشرح لي وجهة نظره".
صدمة حسناء
ولأنه سلك الطريق الذي طلبت، سألته مجاملا: "كم مر عليك سائقا في أبوظبي؟"، فأجابني "أنا سائق أجرة في الإمارات منذ عام 1985.. أنا في الإمارات منذ عام 1975". ولأنها كانت فترة طويلة بالفعل، شرد ذهني قليلا، ثم فاجأته بسؤال انطلق مني فجأة "لو طلبت منك أن تلخص لي رحلتك الطويلة هنا في جملة واحدة ماذا تقول؟". تعجب هو هذه المرة، ثم قال لي "جئت خالي اليدين وسأرحل خالي اليدين، لكنني أشعر بسعادة طاغية لأنني حققت أهم هدف في حياتي". صدمني قوله، فقد كان موجزا وبليغا وغير متوقع. استغرقني رد الفعل ثوان، ثم سألته مترددا "وهذا .. هو؟". وهنا، أصبح في يد شاكير محمد مقود سيارة ودفة حوار.


الهدف الأكبر
قال شاكير "لقد وفرت لأولادي أحسن تعليم، لم أكن أستطيع هذا بدون العمل في الإمارات، في الواقع.. أن تعمل كسائق أجرة وتتمكن من تحقيق هذا الحلم بسبب حكومة هذا البلد فإن هذا شيء ...، أنا أحب هذه الدولة كثيرا". ثم أجابني عن المستوى التعليمي لأبنائه بأن ابنتيه طبيبتان تعملان في دبي، وأن ابنه الأصغر في السنة الثانية بكلية الهندسة يدرس تخصص الميكانيكا.
أقدم سائق                                      
وبعد عبارتين مني عن أنه أحسن صنعا، قال بفخر "هل تعلم أيضا أنني أقدم سائق أجرة في الإمارات، الكل هنا يعرف ذلك، أعني في مجال عملي". اتسعت عيناي لأنني يبدو أنني وقعت على كنز. لكنني شككت في أنه ربما يكون قد أجرى حوارا مع جريدة ما ولم ألحظ، وإن لم تكن إماراتية، فعلى الأقل في موطنه، كيرالا بالهند. قلت له "وطبعا اتصلت بك وسائل الإعلام؟". فأجابني "نعم اتصلت بي الجرائد الهندية أكثر من مرة يريدونني أن أتحدث عن تجربتي لكنني لم أكن مهتما"، فقاطعته "وهل اتصلت بك صحيفة إماراتية؟"، فقال "لا".
حبا في الإمارات
ثم تساءل شاكير "من سيهتم بتجربة سائق أجرة في النهاية؟"، فقلت له "أنا.. أنا أريد أن أنشر معك حوارا في جريدة الاتحاد"، فوجئ برد فعلي، وبعد 3 ثوان أجاب "حسنا.. يمكن ذلك"، فبادرته بالسؤال "لماذا تتحدث إلى جريدة الاتحاد وترفض الجرائد الهندية؟".
أجاب شاكير بعد زفرة سريعة "اسمع أنا سأغادر نهاية مارس، سأعود إلى الهند، ولا يوجد لدي شيء أخشاه وإن وافقت على طلبك فلسبب واحد، هو أنني أريد أن أقول لشعب هذه الدولة ولحكومتها شكرا، وأنا فعلا مدين للإمارات وأحبها". وأضاف "قد لا يصدق البعض هذا ولكنني أريد التعبير عنه قبل أن أغادر".
تجاذبنا حوارا قصيرا اكتشفت فيه أنه حضر حفلة لأم كلثوم في أبوظبي، ويحفظ بالعربية تقريبا كل أسماء الأغاني التي كانت تحب سماعها الجاليات المقيمة في الدولة قبل اختفاء شرائط الكاسيت. وأنه لديه منها شرائط لم تعد موجودة. حصلت على رقم هاتفه قبل مغادرة السيارة واتفقنا على اللقاء.
داخل الاتحاد
عندما التقينا للمرة الثانية في جريدة "الاتحاد" كان السؤال الذي أرقني طوال هذه الفترة هو ما الذي حققه شاكير لنفسه؟ وكانت أجوبته هذه المرة تؤكد أنه يعيش من منظور مختلف.
وعن شعوره الواضح بالسعادة قال "بالنسبة لي كنت أفكر في الأمر بهذه الطريقة: كم من الأموال يوضع في يدي؟ الكثير! وكم شخص يلقي علي السلام يوميا؟ كثيرون"، ثم سألني "ما هو حجم السلام الذي أعيش فيه إذا؟".
وأوضح "أنا أعمل على تحقيق أهداف صغيرة، أي أجعل سقف طموحاتي منخفضا، فإذا تحقق ما عملت من أجله فمن الطبيعي أن أكون راضيا، أما إذا تحقق أكثر منه فسأكون أكثر سعادة بكثير، المهم أن تعيش سعيدا. وهذا مفيد وله أثر على الصحة"، ثم سألني "ألا ترى أنه لا يبدو علي أنني تجاوزت الستين؟".
وأضاف أنه "لابد أن تقتنع أيضا أنه مهما كان الشخص الذي ستقابله فإنه هناك في قلبه مقدار من الخير، لأنني لو أصبت بوعكة مثلا ووقعت على الأرض فأيا كان الشخص الذي سيكون قريبا مني وقتها فإنه سيحاول أن يساعدني حتى ولو بشربة ماء، وهذا يعطي نوعا من الاطمئنان".
وبسؤاله عن استمراره في العمل رغم تجاوزه الستين قال إنه تم التجديد له لأن سجله خال من الأخطاء تماما طوال أكثر من 3 عقود، وأيضا نوع من التكريم له ولخبرته أيضا، إلا أنه ينوي أن يتقاعد بنهاية مارس لأنه بعد 40 عاما من العمل، لأنه يشعر أنه يريد أن يستريح.
صنائع القدر
وعما سيفعله بعد عودته إلى الهند قال شاكير بعد فترة تفكير ليست طويلة "لكل شخص قدر وأنا أؤمن بالقدر، لقد رأيت أشخاصا يقاتلون من أجل المال، لكن أولادهم فسدوا، وأضاعوا تقريبا كل ما جمعه الآباء، أما أنا فقد كان قدري أن أعمل كثيرا وأن أنجح في تربية أبنائي، وهذا شيء مثمر"، مؤكدا "نحن لا نستطيع التحكم في حياتنا مهما حاولنا لأنه في النهاية هناك قدر، ولا أحد يعرف ما الذي قد يحدث بعد قليل"، متعجبا ممن يعتقد غير ذلك.
وسألت شاكير "متى قوي يقينك في مسألة القدر؟" فأجاب متعجبا مما مر به "حاولت كثيرا رغم معارفي أن أغير عملي، ورغم جهودي الحثيثة كان المردود صفرا". وأضاف مستشهدا بحياته "سأحكي لك موقفا.. كان هناك سائحان على وشك ركوب السيارة، وغالبا كان سيتوجهان إلى المطار وهذه تعرفة جيدة، لكن فلبينية سبقتهما وطلبت مني أن أقلها إلى الخالدية، وكنت وقتها في أشد الحاجة إلى المال، فقلت لنفسي لعل الله يجعل في هذا خيرا.. من يدري! ثم من هناك أوصلت سيدة بريطانية إلى دبي فغيرت مجرى حياتي في تلك الفترة".
سألته أنا هذه المرة متعجبا "كيف؟"، فأجاب "تحدثت معي خلال الطريق فحكيت لها عن عدد ساعات عملي وما كرست له نفسي، وهو تعليم أبنائي"، وأضاف بفخر "فقالت لي إنني أب نموذجي، وفي نهاية الرحلة أعطتني بقشيشا ألف درهم".
وتابع "يبدو أنها تقوم بأعمال تتطلب منها الانتقال بين الإمارات وبريطانيا فتقيم هنا فترة وهناك فترة، وطلبت مني أن أقلها باستمرار طوال فترة تواجدها في الإمارات، وخلال هذه الفترة حلت لي مشاكلي المالية بالأموال الإضافية التي كانت تدفعها". وأراني شاكير دفترا سجل فيه كل المبالغ التي دفعتها، وعنوان بريدها الإلكتروني.
الأكثر بخلا
وبمناسبة البقشيش سألته من الفئة الأكثر بخلا فقال وهو يشير بيده في حركة قاطعة كالسيف "السياح"، فألححت عليه "نهائيا؟"، فهز رأسه بـ"نعم" ولم يزد في الكلام. وعن الفئة الأكثر كرما قال "لن تصدق!"، فسألته "من؟" فقال "الفلبينيون"، مضيفا "أنا لا أتحدث عن العرب لأن أغلبهم يتركون بقشيشا".
طلاب المدارس الحكومية
وكان من الطبيعي أن أسأله عن الركاب الأكثر إزعاجا "قال بعد ظهور الهاتف المحمول لم يعد أحد يتحدث مع السائق، أنا من جهتي أسأل مرتين عن المكان للتأكد من عدم حدوث لبس ثم أنطلق". فسألته "ومن أفضل الركاب حاليا؟" فقال "طلاب المدارس الحكومية، وأعتقد أن هذا التطور في السلوك سببه المدرسة"، مؤكدا أنهم قمة في الأدب والهدوء". فاستوضحت منه فأجاب "قديما كان كل طلاب المدارس في منتهى الشغب وخاصة الحكومية". وعن ملاحظته عن بداية هذا التحسن على سلوك طلاب المدارس الحكومية فقال إنه "بدأ في التسعينيات".
أصعب موقف
وعن أصعب موقف مر به قال شاكير "عندما أوقفت الحكومة العمل بالتاكسي الأصفر، ذهبت للشركة الوطنية للتاكسي وكنت قد تجاوزت الأربعين بينما كانوا يوظفون الشباب، وعندما رأى الشاب المسؤول عن التوظيف سيرتي الذاتية، وكان باكستانيا، سألني سؤالا واحدا: هل لديك ولد؟ فقلت له نعم وهو صغير، فقال لي سأرسل سيرتك الذاتية إلى المكتب الرئيسي مع توصية بتعيينك". وأضاف بتأثر "لن أنسى له ما فعله معي أبدا".
الروتين اليومي
وعن روتينه اليومي قال "أستيقظ في الرابعة وأستعد، وأصلي الفجر في المسجد، ثم أبدأ يومي، وأعمل 12 ساعة يوميا، وأعود في العاشرة مساءً إلى المنزل لأنام، وهكذا"، مشيرا إلى أنه لم يأخذ يوما واحدا إجازة طوال الشهور الستة الأخيرة. وبسؤاله "لم؟"، لم يعط سببا محددا، لكن من خلال الحوار عرفت أن ابنته ستتزوج في نهاية مارس الجاري، إضافة إلى تقاعده الذي يريد أن يعد له بعض المال بعد تسليم المبلغ اليومي للشركة.
وكان الوقت قد تأخر بالنسبة لشاكير، الذي أتى إلى الجريدة من المصفح بعد أن أنهى عمله مباشرة بزيه الرسمي الذي كان متحرجا من دخول الجريدة به، فكان لابد أن يتوقف الحوار عند هذا الحد... بقية الحوار الذي نشرته في صحيفة الاتحاد الإماراتية (هنا)
مصطفى علي درويش