الأربعاء، 21 أكتوبر 2015

حروب الشخصيات المزيفة تشكل الوعي على الإنترنت



انتحال الهويات المزيفة لخداع الآخرين سلوك إنساني عمره مئات السنين، لكن انتشار الإنترنت جعل الوقوع في هذا الخداع أسهل من ذي قبل. ولأننا لا نستطيع لقاء كل من نقابلهم في العالم الرقمي فإننا نتخذ صورا رمزية، صممت إلى حد ما لتشكل أفكار الآخرين عن حقيقتنا «في اللاوعي». وتلك الصور التي نريد أن نكون عليها أكثر من شخصيتنا الحقيقية، هو في الواقع جزء من طبيعة البشر على الإنترنت.

الناشطة السورية التي اتضح ..أنه

من الشخصيات المزيفة على الإنترنت، على سبيل المثال، المدونة الشهيرة أمينة عراف، الأميركية السورية التي تبلغ من العمر 35 عاما. وكانت مدونة أمينة «فتاة شاذة في دمشق»، تصف الحياة في سوريا خلال بداية الثورة ضد بشار الأسد. ولأنها ليبرالية وشاذة، ومعارضة غير منحازة، ومتظاهرة في دولة محافظة ومجتمع غير مستقر، فقد وصفتها صحيفة «الجارديان» البريطانية بأنها «بطلة محتملة لثورة في دولة محافظة».


لكن في صباح يوم الاثنين 6 يونيو 2011، وبينما كانت تسير على قدميها للقاء صديق وسط العاصمة دمشق، اعترضها 3 شبان واختطفوها في سيارة «ميني فان» حمراء، اختفت في الأفق. وكتب ابن عمها تفاصيل الاختطاف على مدونتها. وكان الاحتجاج على الخطف سريعا. وكتبت «الجارديان» «ونيويورك تايمز» و«فوكس نيوز» و«جاوكر» و«سي إن إن» ووسائل إعلامية ومنظمات
أخرى عن الاختطاف، وبدأت ملصقات «حرروا أمينة» تظهر على مواقع الإنترنت.

رغم هذا، وخلال ساعات، كان «آندي كافان» الصحفي في الإذاعة الوطنية الأميركية كتب على موقع «تويتر» إن أيا من الأشخاص الذين أجروا حوارات مع أمينة عراف لم يلتقوها شخصيا أو تحدثوا إليها على الهاتف. وبمجرد أن بدأ شخص واحد في التساؤل عن هوية أمينة، حتى تحطمت هويتها المزيفة.

وبحلول صباح الثامن من يونيو كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» اكتشفت أن الصور المزعومة التي يتم تداولها لأمينة عراف هي في الواقع لقطات لامرأة تعيش في لندن. وبسرعة أيضا اكتشف موقع إنترنت كان على اتصال مع أمينة، أن الكمبيوتر الذي تستخدمه ليس في سوريا وإنما في اسكتلاندا. وبعد مرور وقت قصير من الاختطاف اتضح أن أمينة ليست «هي» على الإطلاق. وإنما «توم ماكماستر» الطالب الذي يدرس الدكتوراه في جامعة إدنبره باسكتلاندا.

كان كل شيء عن أمينة التي ابتكرها ماكماسترن مختلقا، بداية من على صفحتها على «فيسبوك» وحسابها على «تويتر» وبريدها الإلكتروني، والحوارات التي أجرها باسمها مع صحفيين كثيرين. لماذا؟ لأن ماكماستر كان لديه وجهات نظر حول ما يحدث في الشرق الأوسط ويريد أن يعطيها مصداقية.

هذا المثال أحد أوجه الشخصيات المزورة أو النموذج (أ)، الذي يقوم فيه «مزيف الشخصيات» باختلاق شخصية لها خصائص أو خبرات محددة يفتقد إليها، لتمنحه سلطة خلال الحوارات الرقمية، أو لتعطيه القدرة على توليد ردود فعل محددة من الجمهور. وأيا كان النموذج فإن هدف مزيفو الشخصيات هو السلطة أو جذب الانتباه أو الربح.

أرض العجائب في الكذب

كانت «ديبي سوينسون» تسعى أيضا وراء جذب الانتباه. ووفقا للنموذج (أ)، اخترعت أيضا في عام 1999 شخصية لها هوية مزيفة.. مراهقة أسمتها «كايسي نيكول». وفي مدونة التي أسمتها «ألوان حية»، وصفت «كايسي» بالتفصيل انتصاراتها وهزائمها مع مرض اللوكيميا. وجذبت المدونة كما كبيرا من الاهتمام والتعاطف. وعندما حانت نهاية «كايسي» في 14 مايو 2001، فاضت
مشاعر الحزن من القراء الحقيقيين على موقع «ميتافيلتر»، الذي يستضيف المدونة، ليعبر رواد الموقع بصدق عن انفطار قلوبهم.

لكن في 19 مايو تساءل أحد المدونين «هل يمكن أن تكون كايسي شخصية حقيقية فعلا؟»، لأنه من وجهة نظره كان هناك في الواقع عدم اتساق في بعض من جوانب قصة حياتها، وبعض الغرابة في حديث الأطباء الذي نقلته عن مرضها، إضافة إلى صعوبة حصول متابعيها على عنوان لإرسال الورد عليه لأهل المتوفاة.

وفي هذه الحالة، لم يكن هناك أيضا شخص من متابعي كايسي قد التقاها وجها لوجه. وبسرعة التقط بعض المدققين على «ميتافيلتر» خيوط قصة كايسي وبدأوا تفنيدها. ورفض البعض ذلك معبرين عن إحساسهم بـ «الكرب» من التعبير الساخر الذي أطلقه المتشككون في وجود كايسي، وهو «توقفوا عن هذا البؤس».

وقال أحدهم ويدعى «بي دبليو جي» إن «هذا (التعبير) يصيبني بالغثيان، لقد تحدثت مع كايسي وأمها على الهاتف مرات عديدة وأستطيع أن أؤكد لكم أنها حقيقية». وذلك رغم أنها شخصية لا وجود لها! وفي اليوم التالي مباشرة، اعترفت ديبي سوانسون ردا على تعليق لمدون يدعى «بي دبليو جي» بأن كايسي فعلا شخصية مزيفة.

وأصبح هناك قصص كثيرة مشابهة لقصة كايسي حتى أن أطباء نفسيين وعلماء النفس لاحظوا أن هناك نمطا متكررا أصبح الآن مرضا يطلق عليه «اضطراب التصنع الافتراضي»، أو «منخاهوزن الإنترنت». وعرض «منخهاوزن» هو تزييف شخصية افتراضية على الإنترنت مصابة بمرض أو مأساة لجذب الانتباه والتعاطف والاهتمام. ومن شبه المؤكد دائما أن هذه الشخصية ستكون مثيرة للجدل حتى لا يمكن مقاومتها، ولابد أن تظهر في مجتمع كبير بما يكفي على الإنترنت.

كيف تدمر أعدائك وتبدو جيدا

الأكثر شيوعا من النموذج (أ) هو النموذج (ب). والأكثر أهمية فيه أن الشخصية المزيفة يجب أن تكون شخصا آخر غير مبتكر الشخصية. وغالبا ما تنتشر شخصيات النموذج (ب) عندما يشيع عداء ما على الإنترنت. وذلك لأن الهدف الرئيسي من لشخصيات النموذج (ب) هو أن تبدو مستقلة، وأن تعطي انطباعا بأنها جماعة على الإنترنت تلتف حول مبتكر الشخصية وتهاجم أعدائه.

وكان أحد مستخدمي هذا النموذج الباحث في استخدام الأسلحة النارية «جون لوت»، الذي زور شخصية طالب يدافع عن كتابات جون لوت ويهاجم أعدائه على الإنترنت. ولحبك القصة، صنع جون لوت وجودا لهذا الطالب على موقع أمازون كمعلق صاحب تقييم جيد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عالم الكمبيوتر «بينج ليو» قال لجريدة «ذي نيويورك تايمز» إن ثلث التعليقات على الكتب في موقع «أمازون» إما مزيفة أو يتم شرائها.

الإنترنت ساحة معارك بين شخصيات افتراضية

واستخدم أيضا كاتب روايات الغموض والإثارة «آر جيه إلروي» كتيبة من النموذج (ب)، ليس فقط لتعطيه مزيدا من البريق بتعليقاتها المليئة بالإطراء على مؤلفاته، ولكن لتخفض أيضا تقييمات منافسيه. وكذلك فعل المؤرخ البريطاني المحترم «أورلاندو فيجز»، الذي فقد كثيرا من هذا التوقير بسبب هذا، واضطر بعد تسوية قضائية إلى الاعتذار ودفع فاتورة المحاماة لمنافسيه.

ويعد النموذج (ب) سلاحا سهلا في حالة الحرب على الإنترنت لشخص يمتلك «أنا هشة». كما تحفز بشكل كبير مبيعات أي شركة لا تمانع في التلاعب بتقييمات منتجاتها على موقعها. ولا يجب الظن أن تزييف الشخصيات ينتهي عند هذا الحد، لأن تزييف الشخصيات يستخدم أيضا في عالم الاستخبارات والدفاع.

كلنا عالقون في حروب مع الشخصيات المزيفة

عادة ما تكشف مواقع التواصل الاجتماعي مزيدا من المعلومات لأصدقائك أو متابعيك أكثر من عامة الناس. وهذا يعني أن الناس الذين لديهم اهتمام بمعرفة شيئا عنك لديهم اهتمام قوي في محاولة دعوتك إلى دائرة معارفهم.

و في عام 2012، أعلن «رايموند كيلي» مفوض شرطة مدينة نيويورك أن الضباط يمكنهم ابتكار شخصيات مزيفة والتحرك بها على مواقع التواصل الاجتماعي على أمل تسليط اكتشاف الجرائم.

ومن المعروف أن الشرطة تستخدم أساليبا مشابهة منذ سنوات بادعاء أنهم أطفال دون السن القانونية للإيقاع بالمتحرشين. ولكن سهولة اختلاق عددا كبيرا من الشخصيات المزيفة لاختراق مواقع التواصل الاجتماعي يثير المدافعين عن الحقوق المدنية بالغضب.

الصين وأميركا وثالثهما التزييف

وبعض الشخصيات المزيفة لها أهداف أكبر من غيرها. في مارس 2012، كررت جماعات مجهولة محاولة الحصول على معلومات حساسة عن قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا الأدميرال «جيمس ستافريدس» بإنشاء صفحة باسمه على موقع «فيسبوك»، ودس أنفسهم في دائرة أصدقائه وزملائه. وقالت مصادر من الناتو إنها لا تعلم من المسؤول عن هذا. لكن خبراء
آخرين قالوا إن المتهم هو الصين.

واكتسبت الصين سمعة في جمع المعلومات عن أعدائها ومنافسيها من خلال تزييف الشخصيات وخدع سرية أخرى على الإنترنت. ولكنها ليست الدولة الوحيدة التي تفعل ذلك على الإنترنت، فهناك أيضا الولايات المتحدة. ففي أواخر عام 2010 وأوائل 2011، قامت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، فرع «البنتاجون» المسؤول عن عمليات العسكرية والاستخباراتية في إيران والعراق وأفغانستان وباكستان والشرق الأوسط، بتوقيع عقد قيمته 2,7 مليون دولار مع شركة «إنتربيد» (Ntrepid) في ولاية كاليفورنيا، لتزويدها بأفضل برمجيات الشخصيات المزيفة!

وحسب العرض الأصلي بين الشركتين فإن «سنتكوم» طلبت حزمة برمجيات تسمح لخمسين مستخدما بابتكار 10 شخصيات لكل مستخدم، على أن يكون البرنامج قادرا على تزويد كل شخصية بخلفية اجتماعية وتاريخ والتفاصيل الأخرى الداعمة، وتواجد على الإنترنت، على أن تكون التفاصيل الفنية والثقافية والجغرافية متسقة. وليس هذا فحسب، بل أن يستطيع مستخدمو البرنامج
إدارة هذه الشخصيات ال 500 من منصة عمل واحدة وبدون الخوف من أن يكتشفهم أعدائهم أو منافسوهم.

الخلاصة أن الإنترنت أصبحت ساحة حرب بين شخصيات افتراضية مزيفة، تحاول كلها جمع المعلومات والاستفادة منها في مناصرة قضاياهم وإلحاق الأذى بأعدائهم، في حرب كلنا واقعون فيها سواء أدركنا ذلك أو غابت عنا هذه الحقيقة .
مصطفى علي درويش